فخر الدين الرازي

255

تفسير الرازي

فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة ، وهو المراد بقوله في هذه الآية : * ( وأمرت لأن أكون أول المسلمين ) * وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ * ( أمرت ) * لأنا نقول ذكر لفظ * ( أمرت ) * أولاً في عمل القلب وثانياً في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً . الفائدة الثالثة : في قوله : * ( وأمرت لأن أكون أول المسلمين ) * التنبيه على كونه رسولاً من عند الله واجب الطاعة ، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله ، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة ، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال : * ( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) * وفيه فوائد : الفائدة الأولى : أن الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجري هذا الكلام على نفسه ، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي ، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى . الفائدة الثانية : دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب ، وهذا يطابق قولنا : إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة ، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب . الفائدة الثالثة : دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وذلك لأنه قال في أول الآية : * ( إني أمرت أن أعبد الله ) * ثم قال بعده : * ( قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) * فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره ، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصياً ، والعاصي يترتب عليه الخوف من العقاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك . النوع الثالث : من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله : * ( قل الله أعبد مخلصاً له ديني ) * فإن قيل ما معنى التكرير في قوله : * ( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ) * وقوله : * ( قل الله أعبد مخلصاً له ديني ) * ؟ ، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة ، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحداً غيره ، وذلك لأن قوله : * ( أمرت أن أعبد الله ) * لا يفيد الحصر وقوله تعالى : * ( قل الله أعبد ) * يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحداً سواه ، والدليل عليه أنه لما قال بعد : * ( قل الله أعبد ) * قال بعده : * ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) * ولا شبهة في أن قوله : * ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) * ليس أمراً بل المراد منه الزجر ، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم ، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله : * ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ) * لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه ، وخسروا أهليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة ، فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده البتة ، وقال ابن عباس : إن لكل رجل